الخميس، 23 يناير، 2014

النصيحة ضرورة




معنى النصيحة :
في اللغة : قال ابن منظور – رحمه الله - : نَصَحَ الشيء ، خَلَصَ ، والناصح : الخالص من العمل وغيره ، والنصح : نقيض الغش.
ويُقال : نصحت له نصيحتي نُصوحاً ، أي : أخلصت وصدقت والإسم النصيحة.
في الاصطلاح : قال ابن الأثير – رحمه الله – "النصيحة كلمة يُعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له"
 
لماذا التناصح من أخلاق الكبار؟
لأن أداء النصيحة قد يُكلف من يقوم بها نفسه " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"
ولأن النصيحة قد تُغضب الآخرين الذين لا يُحبون توجيه اللوم لهم ، مما يُمثل على القائم بالنصيحة عبئاً ثقيلاً لا يتحمله إلا الكبار من أصحاب النفوس الكبيرة ، محتسبين كل ما يُلاقون من عنت أو أذى عند الله تعالى.
ولأن أداء النصيحة قد يكون لأحد المقربين ممن يؤديها ، وهي كذلك تُمثل عبئاً على من يقوم بها لما قد ينتج عنها من قطيعة أو خصام أو توتر العلاقات وعدم استقرارها ، وهذا أيضاً لا يطيقه إلا الكبار وأصحاب النفوس الكبيرة الذين يمتلكون من الشجاعة ما يجعلهم يؤدونها.

ولأن النصيحة تتطلب ممن يقوم بها أن يكون متحلياً بالصبر على من ينصحه ، ذلك أن المنصوح قد لا يستجيب ، أو يُقابل نصيحته بالتهكم أو الاستهزاء أو التطاول في بعض الأحيان باللسان أو اليد ، وهذا أيضاً لا يتحمله إلا الكبار وأصحاب النفوس الكبيرة الذين يُراعون حال المنصوح ونفسيته ، ولا ينتقمون لأنفسهم أبداً مهما كانت النصيحة موجعة لنفوسهم..
ولأن النصيحة تتطلب ممن يقوم بها أن يكون مُطبقاً على نفسه ما ينصح به ، وهو أيضاً لا يقدر عليه إلا الكبار وأصحاب النفوس الكبيرة ، التي يشتد عليها أن تأمر بشيء أو تنصح به وهي لا تفعله ، وهو بلا شك يتطلب جهاداً عنيفاً للنفس لا يقدر عليه غيرهم.


هذا من ناحية الأداء (أي أداء النصيحة) أما من ناحية الاستقبال (أي استقبال النصيحة)
فلأن استقبال النصيحة يعني سعة الصدر لقبولها ، وعدم التغير أو الغضب من الآخر ، وذلك من أخلاق الكبار أصحاب النفوس الكبيرة التي لا يقوى عليها غيرهم .
ولأن استقبال النصيحة يعني التحلي بقدرة نفسية قوية تُمكنه من الاعتراف بالخطأ حال حدوثه ، لِمَا يحمله الاعتراف بالخطأ من تحمل المسئولية عما أخطأ فيه، وهذا مما لا يقدر عليه إلا الكبار وأصحاب النفوس الكبيرة أيضاً.


ولأن استقبال النصيحة يعني تعرض هيبة المنصوح للمساس ، خاصة إذا كان الناصح من العامة البسطاء ، أو ممن لا يُجيدون أداء النصيحة أو يتعمدون التشهير ، وهنا يقوم صاحب النفس الكبيرة باستيعابه وعدم الدخول معه في تصادم أو عداوة ، وهذا أيضاً لا يقدر عليه إلا الكبار فقط.


النصيحة ضرورة :
لا يختلف اثنان على أن النصيحة من خصائص هذا الدين ، وهي من دعائم استقامة الأمة واستقرارها ، وعلامة من علامات النضوج الفكري لمن يمارسها وكذلك من يستقبلها.
وبالنصيحة تحافظ الأمة على تصدرها لجميع الأمم والتفضيل عليهم جميعاً " كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ..." [آل عمران:110]
فما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا صورة من صور النصيحة ، التي يستقيم بها حال المأمور بالمعروف والمنهي عن المنكر (المنصوح) ، فيتبدل سلوكه من الخطأ إلى الصواب؟
وفي المقابل فإن انعدام النصيحة واختفائها في الأمة علامة من علامات الهبوط الإيماني لأبنائها ، وإيذاناً بأُفول نجمها ونزول اللعنة والغضب الإلهي عليها ، ومؤشر بتدهور استقرارها وفقدان أمنها وتقدمها "لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ . كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ "[المائدة:78-79]
إذن ففرار الأمة من ترك النصيحة يوازي تماماً خوفها من نزول اللعنة أو غضب الله عليها ، وكذلك فإن التمسك بأدائها والحرص على ممارستها ، يُدلل على حياتها ورغبتها في التقدم والتصدر والاستمرار في الخيرية.

آداب المنصوح :
والآن نستطيع أن نهمس في أذن المنصوح قائلين :
(1)
أخي المنصوح : الكبار يعتبرون النصيحة وسيلة للمراجعة والتصحيح حتى لا نسترسل في خطأ وقعنا فيه ، أو هوى إنسقنا إليه ، فالنصيحة بمثابة وقفة مع النفس لمراجعتها والسير على بصيرة ، فكن كبيراً مثلهم.
(2)
أخي المنصوح : الكبار يُراجعون أنفسهم دائماً ، أما حين يتخذ الواحد منا أفكاراً أو قناعات يتمسك بها ويُرسخها بداخله فلا يحيد عنها ، فتتحرك الجبال الشم الرواسي عن قواعدها ولا تتحرك تلك القناعات أو الأفكار ، فلا يقبل المراجعة فيها أو النصح في بنودها حتى وإن تبين له أنها غير صحيحة ، فحينئذ ستكون بداية النهاية ، ولن يسلم من هوى يطغيه أو فساد في الرأي يُرديه.
وكما قيل فإننا لن نصل إلى الحقيقة التي ننشدها حتى نعرف آراء مخالفينا فندرسها ونُحللها ، ونستفيد بما فيها.
وقد افتتح الإمام البخاري أحد أبوب الصوم بكلمة لأبي الزناد جاء فيها "إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيراً على خلاف الرأي"
(3)
أخي المنصوح : استمع إلى النصيحة أو النقد الموجه إليك بنية البحث عن الحق والوصول إليه، أنت لست أفضل من أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
اقترح عمر بن الخطاب على أبي بكر رضي الله عنهما أن يجمع القرآن ، ولم يقبل أبو بكر بذلك ، فقال عمر : هو والله خير ، قال أبو بكر : فلم يزل عمر يراجعني فيه ، حتى شرح الله لذلك صدري ، ورأيت الذي رأى عمر.
فلم يمنعه منصبه من قبول الصواب ، والعدول عن رأيه الذي كان يراه صائباً.
(4)
أخي المنصوح : أنت لست أفضل من خير البشر محمد صلى الله عليه وسلم ، فبدلاً من رفض النصيحة وردِّها ، كان الأجدر بك أن تطلبها ابتداءً وتسمع لها بعد ذلك فأنت لست أصوب رأياً ولا أهدى فكراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول "...إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني ..."
(5)
أخي المنصوح : لا تفرح بفريق المداحين من حولك ، الذين يصفقون لك حتى إذا أخطأت ، ويُهللون لك إذا انحرفت ، ويهتفون باسمك إذا حِدتَ.
بل افرح بصدق ومن قلبك إذا أهدى إليك أحد إخوانك بعض عيوبك ، واعلم أنك على خير متى وفقك الله ووجدت مثل هذا الصاحب الأمين ، والصادق النصوح.
جاء في الحديث "من ولاه الله عز وجل من أمر المسلمين شيئاً فأراد به خيراً جعل له وزير صدق فإن نسى ذكرَّه وإن ذكر أعانه "
كان الحر بن قيس من مُقربي عمر بن الخطاب ، وهمَّ عمر أمامه بضرب عُيينة بن حصن لتطاوله عليه ، فقال له الحر :"يا أمير المؤمنين! إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم "خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)"[الأعراف] وإن هذا من الجاهلين )
يقول الراوي :(والله ما جاوزها عمر حين تلاها ، وكان وقافاً عند كتاب الله)
(6)
أخي المنصوح : رفضك للنصيحة من الآخرين يحمل ضمن ما يحمل من المعاني إدعاء العصمة ، وهذا يناقض طبيعتنا البشرية التي يُعتبر الخطأ فيها جزءاً من تركيبتها وطبيعتها ، فكل إنسان يؤخذ من كلامه ويُرد إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم ، وكل ابن آدم خطاء وخير الخطاءين التوابون.
(7)
أخي المنصوح : لا تضق ذرعاً بناصحيك حتى وإن اعتبرتهم "ناقديك" فيما يوجهون إليك من نصح أو نقد ، ولا تعتبره تعدٍ على حريتك ، أو كرامتك ، أو شخصك ، بل ينبغي أن تكون موضوعياً في تقبلك للنقد الموضوعي البناء، الذي يهدف إلى البناء والنفع ، وارفض النقد الهدام الغير موضوعي ، والغير مبني على حقائق ، والقائم على التجريح والتشهير والإساءة.
(8)
أخي المنصوح : عمِّق بداخلك القاعدة الهامة أن الكائن البشري أياً كانت درجة بشريته ، ومهما أوتي من علم وفطنة وذكاء فإن الخطأ سيظل سمة من سماته ، وأن درجة الكمال التي ننشدها في مجهودنا وأعمالنا البشرية التي نبذلها تحتاج إلى إصلاح الآخرين حتى تكتمل ، فالآخرون يرون ما لا نراه من قصور في أعمالنا وشخصياتنا.
واحفظ عني هذه الجملة " النقد عبارة عن معلومات يمكن أن تساعدني على النمو "
(9)
أخي المنصوح : استجابتك للنصيحة ، وقبولك للنقد الموجه إليك ، لا يعني أبداً الاستسلام للآخر والإذعان له ، بل يُعد ذلك إيجابية في سلوكك ، وخلق عظيم من أخلاقك "وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ"[آل عمران:135]
(10)
وأخيراً أخي المنصوح : فقبول النصيحة والاعتذار عن الخطأ وتصحيحه أفضل من التمادي فيه ، فالعيب ليس في الرجوع عن الخطأ ، وإنما البلاء الحقيقي يكون في الإصرار على الباطل.
وقبولك النصيحة ينفي عنك الاتصاف بالكبر والتعالي ، ويُزيل من قلب ناصحك الحقد والبغضاء ، ويدفع عنك الاعتراض عليك وإساءة الظن بك حين يصدر منك ما ظاهره الخطأ.
فلا يكن همك عند سماع نصيحة موجهة إليك هو كيف تدفعها ، فيحملك هذا على اتهام الآخرين بما هم منه برءاء ، أو تبدأ في كيل الاتهامات في محاولة لنقل أبصار الآخرين واهتماماتهم بعيداً عنك إلى ناصحيك ، ومحاصرتهم بعدد من أخطائهم لينشغلوا بغيرك.
متناسياً ما وجه إليك من النصح أو التوجيه.
وأخيراً وليس آخراً ... فلنردد جميعاً ... ولنعش هذا المعنى الجميل الذي جاء على لسان عمر بن الخطاب رضي الله عنه

" رَحِمَ اللَّهُ مَنْ أَهْدَى إِلَىَّ عُيُوبِى "


من إضافات المحبة في الله - ملتقى أحبة القرآن

هناك تعليق واحد:

  1. جزى الله ابنتنا الكريمة المحبة في الله خير الجزاء على هذه الإضافة الرائعة

    ردحذف